عبد الملك الجويني

563

نهاية المطلب في دراية المذهب

رام منهم القيامَ بحفظ مولودٍ ، فقد لا يستقل به دون الاستعانة بامرأة ، فخرج من ذلك أن الإناث على الجملة أولى بالحضانة . فإذا تمهد هذا فنقول : الأم وأمهاتها على الوصف المقدم مقدماتٌ على الأب ، فالجدة العالية من قبل الأم مقدمة على الأب ، باتفاق الأصحاب ، وإذا قُدِّمت على الأب ، لم يخْفَ تقدمُها على الجد وسائر الذكور . وأما الجدات من قبل الأب إذا اجتمعن مع الأب ، فظاهر النص الذي نقله المزني أن الأب مقدم عليهن . قال الشافعي : " لا يقدم على الأب إلا الأم وأمهاتها " ( 1 ) ، فالأب إذاً على هذا مقدم ، ووجهه أن الجدات مُدْلياتٌ به ، فيبعد تقدم المُدْلِية على أصلها . وحكى بعض أصحابنا قولاً آخر مخرّجاً أن أمهات الأب مقدمات - وإن بعدن - على الأب ، لمكان الأنوثة والأمومةِ والاستقلالِ التام بمقصود الحضانة ، ولا نظر إلى الإدلاء مع ما أشرنا إليه من المزيّة التي تنبني الحضانة عليها ، وهي الشفقة والتهدّي ، والإناث أشفق وأهدى ، كما قدمنا . ولو اجتمع مع الأب الأخواتُ والخالاتُ ، فكيف السبيل فيه ؟ نبدأ بالأخوات ونقول : إن جرينا على الترتيب الجديد في الإناث ، فالجدات من قبل الأب مقدمات على الأخوات . فإن قدمنا الأبَ على الجدات ، فلأن نقدمه على الأخوات أولى ، وإن قدمنا الجداتِ على الأب ، فهل نقدم الأخوات على الأب ؟ فعلى ثلاثة أوجه : أحدها - أنا نقدمهن [ للأنوثة ] ( 2 ) وقوة القرابة ، كما قدمنا أمهات الأب ، وإن كن مُدْلِيات بالأب . والثاني - نقدّم الأبَ عليهن ؛ لأنه أصل ، وهن فروع . والوجه الثالث - أنه تقدم أخت الأب والأم ، وأخت الأم ، ولا تقدم أخت الأب ، لأنه لا تعلق لها إلا بالأب ، وهي فرع لا أمومة لها .

--> ( 1 ) ر . المختصر : 5 / 87 . ( 2 ) في الأصل : كالأنوثة .